التــلفــزيــون و العــنــف الرمـــزي

 (ذ.محسن كفحالي* )أفرز تاريخ البشرية أشكالا متعددة من العنف ، لكن يبقى العنف الرمزي الذي يعرف بأنه مختلف أشكال العنف غير الفيزيائي القائمة على إلحاق الأذى بالغير بواسطة الكلام أو اللغة أو التربية أو العنف الذهني أخطر أشكال العنف ، و هو يقوم على جعل المتلقي يتقبل هذا العنف اللطيف مثال ذلك العنف الرمزي الذي تقوم به الإيديولوجية ، من حيث هو عنف لطيف و غير محسوس ، و بالنظر إلى هذا العنف فإنه يمارس بوسائل رمزية ، أي التواصل و تلقين المعرفة ، و يعتبر التلفزيون من بين أهم وسائل العنف الرمزي ، حيث يملأ أوقات الناس بأشياء غير هامة ، إنه يستهلك زمنهم في قول أشياء تافهة ، تخفي في الحقيقة أشياء ثمينة ، التلفزيون عدو الديمقراطية حيث ينشر وعيا زائفا أو يحجب المعلومات عبر لغة يسميها بورديو " لعبة المنع بواسطة العرض" .
لم تعد القنوات الفضائية حسب بير بورديو مجرد قنوات تقدم برامج للتسلية و التثقيف ، بل قد أصبحت الأدوات و الوسائل الأكثر أهمية و فاعلية في الضبط و التحكم الاجتماعي في المجتمعات الحديثة ، باعتبارها أداة من أدوات العنف الرمزي التي تستغله الطبقة المهيمنة و المسيطرة لصالحها ، حيث تقوم هذه الوسائل بتشكيل أفكار الرأي العام عبر ما يسمى بالإيديوليوجيا الناعمة و التي تتمثل في تلك الجرعات اليومية و اللحظية التي تبثها المحطات التلفزيونية نفسها.
و في نفس السياق تستعد القنوات الفضائية المغربية على اختلافها لاستقبال السنة الجديدة ، فتهافتت على أشهر المطربين في نظرهم من أجل تحقيق نسبة أكبر من المشاهدين و كما جرت العادة ستقدم وسائل إعلامنا المحترمة سهرات تفسخ ، سهرات بمناسبة نهاية السنة الحالية ، محتواها رقص و غناء ، و الحقيقة إذا كانت هذه السنة تحتاج إلى احتفال فيجب أن يكون ذا طبيعة خاصة ، من قبيل الندب أو إضراب عن الطعام كنتيجة حتمية للفضائح التي هزت المغرب و معاناة المواطنين من تدابير الحكومة الحالية، المتمثلة في ارتفاع الأسعار و قمع مفرط لكل الحركات الاحتجاجية و هجوم وحشي على المعطلين و الطلبة في مختلف المواقع الجامعية ، علاوة على الحدث المؤلم الذي عرفته نهاية السنة الحالية تجلى في فقدان العديد من المواطنين و تشرد عائلاتهم ، جراء التدبير السيئ و الفساد الذي ينخر كل المشاريع المنجزة من طرف المسؤولين ، من قبيل انهيار القناطر و انقطاع الطرق و السقوط المنازل ، إن حجم الألم كبير و أنت تنظر لذلك الطفل الذي فقد اباه و منزله و عائلته ، إذا كانت وسائل الإعلام تريد أن تحتفل حقا بالدخول السنة الجديدة ، فعلى العاملين بها ترك مكاتبهم المكيفة و الاتجاه نحو المغرب العميق ، مغرب البؤس و التهميش حيث يعاني الناس من قساوة المناخ و الثلوج و غياب الإمكانيات ، مغرب يعرف فقط يوم سهرات من خلال بعض المغنيين ، إذا كانت فعلا تريد الاحتفال بقدوم السنة الجديدة ، ما عليها سوى أن تقدم صورة سوداء لأيام عديدة ، حزنا على من فقدناهم بسبب جشع المسؤولين و عدم محاسباتهم ،على الأشخاص الذي ينامون في الشارع في هذه الأيام القاسية ، على الشاب الذي مات بسبب القمع و الإهمال .


* أستاذ الفلسفة بعين مديونة ، الكاتب العام لجمعية توازة 




تعليقات

المشاركات الشائعة